العيني

78

عمدة القاري

الراوي وحاله أصلاً ، وفي طريق الاتصال بيان له ، ولا معارضة بين الساكت والناطق ، ولئن سلمنا أنه روى مرسلاً أنه أصح ، وقد وافقه حديث متصل وهو حديث عائشة بنت طلحة ، رواه الطحاوي ، قال : حدثنا المزني قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة ( عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : يا رسول الله إنا قد خبأنا لك حيسا ، فقال : أما إني كنت أريد الصوم ، ولكن قربيه سأصوم يوما مكان ذلك ) . قال : محمد هو ابن إدريس ، سمعت سفيان عامة مجالستي إياه لا يذكر فيه ( سأصوم يوما مكان ذلك ) ، قال : ثم إني عرضت عليه الحديث قبل أن يموت بسنة فأجاب ، فيه : سأصوم يوما مكان ذلك ، ورواه البيهقي في ( سننه الكبير ) من طريق الطحاوي وفي كتابه ( المعرفة ) أيضا ، ففي هذا الحديث ذكر وجوب القضاء . وفي حديث عائشة ما قد وافق ذلك . ثم انظر ما أقول لك ، من العجب العجاب ، وهو أن أحمد قال : هذا الحديث قد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة ، ورواه جماعة عن طلحة ابن يحيى دون اللفظة منهم : سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وعبد الواحد بن زياد ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان ويعلى بن عبيد وغيرهم ، وأخرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث عبد الواحد وغيره دون هذه اللفظة . وقال البيهقي في ( السنن الكبيرة ) : رواية هؤلاء تدل على خطأ هذه اللفظة ، وهذا العجب العجاب منه أن يخطِّيء ههنا إمامه الشافعي ويخطِّىء مثل سفيان بن عيينة ، والشافعي إمام ثقة ، وروى هذه اللفظة من مثل سفيان الذي هو من أكبر مشايخه ، ثم لم يذكر خلافه عنه ، ثم يتلفظ بمثل هذا الكلام البشيع لأجل تضعيف ما احتجت به الحنفية ، وغمض عينيه من جهة الشافعي ومن جهة شيخه ، وليس هذا من دأب العلماء الراسخين ، فضلاً عن العلماء المقلدين . وأما قول البخاري والذهلي : إنه لا يصح ، فهو نفي ، والإثبات مقدم عليه . وقوله : قال النسائي هذا خطأ دعوى بلا إقامة برهان ، لأن كونه مرسلاً على زعمهم لا يستلزم كونه خطأ ، وقول أبي عمر فيه وهمان : أحدهما : أن قوله : مدار حديث يحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب غفلة منه ، فإنه هو بعد هذا بأسطر رواه من رواية أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة . والثاني : أن قوله : وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث ، قد انقلب عليه هذا الاسم فظن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن حبيبة ، قال فيه أبو حاتم : متروك الحديث وليس هو الراوي لهذا الحديث ، وهذا إسماعيل بن عقبة ، احتج به البخاري ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي . فإن قلت : في رواية أبي داود التي تقدمت وذكرناها آنفا زميل مولى عروة عن عروة ، قال البخاري : لا يصح لزميل سماع من عروة ولا ليزيد من زميل ، ولا تقوم به الحجة . قلت : في ( سنن ) النسائي التصريح بسماع يزيد منه ، وقول البخاري لا يصح لزميل سماع عن عروة نفي فيقدم عليه الإثبات ، وزميل هو ابن عباس أو عياش مولى عروة قيل : بضم الزاي وفتح الميم ، وقيل : بفتح الزاي وكسر الميم ، ولحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، طريق آخر رواه النسائي عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، الحديث وفي آخره قال : صوما يوما مكانه ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) عن ابن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب ، وقال ابن عبد البر في ( التمهيد ) وأحسن حديث في هذا الباب حديث ابن الهاد عن زميل عن عروة ، وحديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة . ومنها : ما رواه ابن عباس ، أخرجه النسائي من رواية خطاب بن القاسم عن خصيف عن عكرمة ( عن ابن عباس : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، دخل على حفصة وعائشة وهما صائمتان ، ثم خرج فرجع وهما يأكلان ، فقال : ألم تكونا صائمتين ؟ قالتا : بلى ، ولكن أهدي لنا هذا الطعام فأعجبنا فأكلنا منه ، فقال : صوما يوما مكانه ) فإن قلت : قال النسائي وابن عبد البر : هذا الحديث منكر ؟ قلت : إنما قالا ذلك بسبب خطاب ابن القاسم عن خصيف ، لأن فيهما مقالاً فيما قاله عبد الحق ، وقال ابن القطان : خطاب ثقة ، قاله ابن معين وأبو زرعة ، ولا أحفظ لغيرهما فيه ما يناقض ذلك . وقال أبو داود ويحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي : خصيف ثقة ، عن ابن معين : صالح ، وعنه : ليس به بأس ، وعن أحمد ليس بحجة . ومنها : حديث أبي هريرة رواه العقيلي في ( تاريخ الضعفاء ) من حديث محمد ابن أبي سلمة عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة ( عن أبي هريرة ، قال : أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منها ، فذكرتا ذلك لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : اقضيا يوما مكانه ولا تعودا ) . أورده في ترجمة محمد بن أبي سلمة المكي ، وقال : لا يتابع على حديثه . ومنها : حديث أم سلمة ، رواه الدارقطني